"نظام الشكاوى".. تجربة خلّاقة تُنظم العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام

منذ سنوات، باتت الحاجة ملحة للخروج عن مظاهر الإعلام المركزي الموجه وتبعيته للهيئات الرقابية والجهات الرسمية المحتكرة، ما دعا إلى تعزيز ظاهرة الإعلام المستقل أو البديل، والذي ظهر بشكل سيلٍ غزير ابتعد في معظم الأحيان عن المبادئ والأسس التنظيمية للمحتوى الإعلامي، ما استوجب وضع ضوابط وأدوات مهنية تنظم سير عمله من خلال تشكيل رابطات وهيئات صحفية تضمن وجود منهجيةً للعمل الإعلامي وتوجهه للمسار الصحيح، كانت من ضمنها هيئة “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين” والتي تمثل حاضنةً للعدد من وسائل الإعلام السورية، والتي انبثق عنها لاحقاً “نظام الشكاوى“.

و “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين” هو شبكة سورية تضم حالياً 26 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة، يتنوع إنتاجها بين صحف ومجلات مطبوعة وإذاعات وقناة تلفزيونية ومواقع إخبارية ووكالات أنباء، تهدف إلى تعزيز البعد الأخلاقي والمهني لإنتاج محتوى إعلامي يخلو من خطاب الكراهية؛ غني بقيم العدالة الجندرية، الدقة، المصداقية، النزاهة، الإنصاف وغيرها.

المواثيق الأخلاقية ومدونات السلوك المهني

في حديث إلى “سيريا برس” يقول الصحفي “حسين برو” إن “الإعلام مهنة وأي مهنة في العالم يجب أن يكون لها ضوابط وأخلاقيات أيضاً، ومن هنا تكمن أهمية وجود المواثيق والمدونات، فهي ضرورية جداً ومهمة في أي عمل صحفي لكي يكون هذا العمل الصحفي ناجح وحقيقي”.

ويضيف “برو”: “لا شك بأن أي ميثاق أخلاقي لا يبتعد إطلاقاً عن المهنية، فمن الممكن أن نضع ميثاقاً أخلاقياً له علاقة بالرومانسيات وله علاقة بأفكار عدة، فالميثاق الأخلاقي يجب أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمهنة أي أن الأخلاق تساوي المهنة، وعندما نقول: ميثاق أخلاقي، لا يعني أنه لا يمكننا التحدث عن كذا أو لن نفعل كذا، فهذا ليس له علاقة بالمواثيق الأخلاقية ولا بمهنة الصحافة، ولا يمكن أن يوجد أو يكون أي ميثاق أخلاقي متعارض مع حرية التعبير وحرية العمل الصحفي، فالمواثيق توضع فقط لضبط معايير العمل المهني”.

نظام الشكاوى

مع الاقتراب من بداية عامه السابع أطلق “ميثاق شرف” نظام الشكاوى، بوصفه مبادرة يطرحها ويدعمها في إطار جهود التنظيم الذاتي لقطاع الإعلام السوري، بهدف تطوير الممارسة الإعلامية ورفع الجودة المهنية للمحتوى الصحفي المنشور في وسائل الإعلام السورية المختلفة، و یشكل دليلاً مهنياً لدفع هذه الوسائل و العاملین فیها إلى الالتزام بمدونة السلوك المهني والأخلاقي و معاییر الصحافة المستقلة، و توفیر مرجعیة ناظمة للشكوى أمام أي متضرر من انتهاك أو خرق للمحتوى الإعلامي والصحفي، وفق محددات و آلیات واضحة تعتمدها لجنة مستقلة تسمى لجنة الشكاوى.

لجنة الشكاوى و حل مشاكل الجمهور

وعن أهمية لجنة نظام الشكاوى قال الصحفي “أكرم الأحمد” مدير “المركز الصحفي السوري” إلى “سيريا برس”: “انطلاقاً من أهمية وجود الهيئة وأهمية تفعيل دورها في حل القضايا الإعلامية المتعلقة بالمحتوى لابد أن تساهم في حل المشكلات بشكل أكبر، أي أن تساهم في حل المشكلات التي تظهر أو تنتج عن المحتوى الإعلامي، وذلك استدعى تشكيل (لجنة الشكاوى) لتسهم في ضبط المحتوى الإعلامي بالإضافة للتخفيف من الأخطاء والمشاكل في انتهاك قواعد المهنية المتعارف عليها، والتي تحويها وثيقة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين، فكل القواعد لا بد من تطبيقها وضبطها، وليتم ذلك لا بد من لجنة شكاوى، يكون وجودها مهم جداً في الساحة السورية، بالإضافة للحاجة إلى تشذيب العمل الإعلامي ومتابعته، خاصةً من المؤسسات التي وقعت على الميثاق”.

وعن آلية عمل نظام الشكاوى يتابع الأحمد: “هي آلية أخلاقية، فلجنة الشكاوى لا تمتلك عصا وليس لديها قوة ردع، إنما سيكون سلاحها الأخلاق والقواعد المهنية الناظمة فآليات عملها رُسمت، وتم وضع خطة واضحة لآلية الشكوى”، مضيفاً أن “تناول الشكوى ودراستها، تبدأ من انتهاك المؤسسة لأحد بنود الميثاق ثم وصول الشكوى إلى الميثاق أو لجنة الشكاوى، ومن ثم البت في هذه الشكوى، وعند وصول الشكوى إليها ستحاول اللجنة وستكون أولويتها أن تحل القضية دون أن تصل إلى مرحلة الشكوى، وفي حال وصولها إلى مرحلة الاشتكاء سيتم التحقق من الشكوى والتحقيق فيها وصدور قرار نهائي يسمح للشاكي والمُشتكى عليه بمراجعة الشكوى أو الاستئناف، والاعتراف أمام لجنة أخرى غير التي بتت في الشكوى وهي (لجنة المراجعة)”.

ويهدف نظام الشكاوى من خلال عمله إلى تنظیم العلاقة بین الجمهور ووسائل الإعلام السوریة، و توعیة الجمهور بحقه في الشكوى وتصویب أخطاء النشر والاعتراض على الانتهاكات المهنیة و الأخلاقیة، التي قد تنتج عن التغطیة الإعلامیة لوسائل الإعلام السوریة، وترشده إلى أسالیب ممارسة حقه بطرق مهنیة، كما یسعى إلى حث وسائل الإعلام على الحذر أثناء الممارسة الاعلامية من ارتكاب المخالفات والانتهاكات المهنیة، التي قد توقع ضرراً بالجمهور، وتحرص لجنة الشكاوى خلال عملها على تجنب شحن أطراف الشكوى، وإثارة الحساسیات والخلافات بین الجمهور ووسائل الإعلام.

ويمكن لكل شخص، اعتباري أو طبیعي، تقدیم شكوى بالمحتوى الإعلامي، بمن في ذلك:

● المؤسسات الإعلامیة.

● الصحفیون والعاملون في حقل الإعلام.

● أي شخص من الجمهور تضرر بشكل مباشر بمحتوى مادة تم نشرها عبر وسائل الإعلام، شریطة وجود أدلة تثبت الضرر وتصفه.

● أي شخص من الجمهور یرى أن المحتوى الإعلامي یخل بمعاييري “الدقة” و”الصحة”، شریطة وجود أدلة تثبت الخطأ وتصفه.

أما الجهات التي یمكن تقدیم الشكوى بحقها:

● تقبل فقط الشكاوى الواردة بحق المؤسسات والوسائل الإعلامية السوریة الموقعة على “میثاق شرف للإعلامیین السوریین”، والمؤسسات التي انضمت لنظام الشكاوى من خارج المیثاق.

● تم تأسیس نظام الشكاوى لدعم وسائل الإعلام الموقعة على المیثاق، ویمكن أن یتسع إطار عمل اللجنة لیشمل باقي المؤسسات الإعلامیةالسوریة أو المتخصصة بالشأن السوري، بعد مرور سنة على الأقل من البدء بتطبیق نظام الشكاوى.

ويتم تقديم الشكوى من خلال استمارة إلكترونية على الإنترنت حصراً يقوم الشاكي بإرسالها إلى الموقع الإلكتروني الخاص بالميثاق.

قرارات لجنة الشكاوى وعمل لجنة المراجعة

في حال عدم الرضا بقرار لجنة الشكاوى، يقول مدير مركز الحريات في رابطة الصحفيين السوررين، القاضي والمحامي السابق “إبراهيم حسين” إلى “سيريا برس”، إن “نظام الشكاوى بالدرجة الأولى يهدف لإيجاد وسيلة تواصل بين الناشر والمتلقي ومساعدته في حال وجود تجاوز، وذلك لتصحيح الخلل الموجود في المادة المنشورة، ويهدف كذلك لمساعدة المؤسسات الإعلامية على التقيد بميثاق شرف الإعلاميين، وكل هذا لا يمنع الشاكي المتضرر من اللجوء إلى القضاء ولا الادعاء على من تسبب له بالضرر، والمطالبة بالتعويض وجبر ذلك الضرر”.

وحول لجنة المراجعة يضيف “الحسين”، هي مرجع استئنافي یختص بالبت في طلبات المراجعة من أطراف الشكاوى بعد صدور قرارات لجنة الشكاوى، وتصدر قراراتها بصورة مبرمة.

توقيع المؤسسات الإعلامية على نظام الشكاوى

فيما يتعلق بتوقيع المؤسسات الإعلامية على نظام الشكاوى، قالت الأستاذة “لينا الشواف” عضو مجلس إدارة “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين، ومديرة “راديو روزنة” إلى “سيريا برس” أن “التوقيع التزام أخلاقي، فلا يجب أن تتحول أي مؤسسة أو ميثاق إلى رقابة، فمن خلال الخبرات مع الدول المتقدمة نلاحظ عدم وجود نظام رقابة على الإعلام، حيث لا توجد وزارة إعلام بل لديهم فقط دائرة الإعلام، وهي موجودة في حال قدم أحدهم شكوى من الجمهور أو الوسائل للنظر بالشكوى، ولذلك فالتوقيع مهم، وهو نوع من أنواع الالتزام الأخلاقي من المؤسسات”، مضيفة أن “التزام وسائل الإعلام بالميثاق الصحفي (ميثاق شرف للإعلاميين السوريين) والمنبثق عن الميثاق الصحفي العالمي، سيجعل لغة المؤسسات الإعلامية أكثر قرباً إلى الموضوعية والمهنية، وبذلك تكون بعيدة كل البعد عن خطاب الكراهية ولغة العنصرية”.

وتذهب الشواف إلى أن “الأنظمة والأدوات المهنية الناظمة تضبط العلاقة بين الجمهور والوسيلة الإعلامية، فمن الجميل وجود وامتلاك أدوات لأننا نفتقر إليها، وطالما أنه لدينا أدوات فإننا نستطيع أن نكون أقرب إلى المهنية وأقرب إلى التوازن”.

وتضيف أن “وجود مجموعة من المختصين والخبراء في لجنة الشكاوى، يمكّن اللجنة من أداء مهمتها بالتحكيم بين طرفي الشكوى بكفاءة، دون نزاع أو حاجة للجوء إلى المحاكم، ومن المهم أن تشعر وسائل الإعلام، بوجود عين على الإعلام من الجمهور، كما للإعلام عين على المعلومات والأحداث، وهذه العين هي إنتاج كيان متوازن ومهني يكون وسيطاً بين الوسيلة الإعلامية والجمهور”.


المصدر: سيريا برس